محمد جواد مغنية
466
في ظلال نهج البلاغة
426 - إنّ أولياء اللَّه هم الذين نظروا إلى باطن الدّنيا إذا نظر النّاس إلى ظاهرها ، واشتغلوا بآجلها إذا اشتغل النّاس بعاجلها ، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم ، وتركوا منها ما علموا أنّه سيتركهم ، ورأوا استكثار غيرهم منها استقلالا . ودركهم لها فوتا . أعداء ما سالم النّاس ، وسلم ما عادى النّاس . بهم علم الكتاب وبه علموا . وبهم قام الكتاب وبه قاموا . لا يرون مرجوّا فوق ما يرجون ، ولا مخوفا فوق ما يخافون . المعنى : تقدم الكلام عن الأولياء والأتقياء مكررا في الخطب والرسائل والحكم السابقة ، وعاد الإمام إلى الحديث عنهم ، كما هو دأب الدعاة الناصحين ، عسى أن يصادفوا أذنا واعية بالتكرار والإعادة . وذكر الإمام من أوصافهم ما يلي : 1 - ( هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذا نظر الناس إلى ظاهرها ) للدنيا ظاهر وباطن ، ظاهر خادع كاذب من نظر اليه وحده شغل به قلبه ، وانصرف عن آخرته ومصيره ، ومن نظر إلى باطنها وواقعها اتخذها وسيلة إلى سعادته الأبدية تماما كما فعل أولياء اللَّه وأحبابه . 2 - ( واشتغلوا بآجلها إلخ ) . . الهاء في آجلها تعود لفظا إلى الدنيا ، ومعنى إلى الآخرة ، لأنها تأتي عقب الدنيا ، والمعنى ان الصلحاء لا يتنافسون على الدنيا ، ولا يثيرون من أجلها الحروب ، بل يعملون بالمثل السائر « دع مئة زهرة تتفتح » . 3 - ( أماتوا منها ما خشوا أن يميتهم ) كالطمع والجشع ، والحقد والنفاق . 4 - ( تركوا منها ما علموا انه سيتركهم ) كل ما زاد عن حاجتك فأنت تاركه لغيرك لا محالة ، وهو أيضا تاركك بطبيعة الحال ، لأنك لا تنفق منه شيئا ، وإذن فعلام تلهث في طلبه اللهم إلا إذا أردت به وجه اللَّه وخدمة عياله وعباده ، ليكون لك ذخرا وأجرا كريما .